المهدية : بعد سقوط ''جٌرف'' تحت الديار بسبب الأمطار : الخوف والرعب من البحر والإعصار
كتبهامراد الحمادي ، في 22 ديسمبر 2006 الساعة: 14:49 م
المهدية : بعد سقوط ”جٌرف” تحت الديار بسبب الأمطار : الخوف والرعب من البحر والإعصار

هو البحر إذا غضب فالويل من غضبه… وإذا هدأ وأبدى الرضا طابت للجميع صداقته… علاقة الانسان بالبحر لم تخل يوما من التناقضات … علاقة مد وجزر غريبة تكاد لا تفهم… البحر يطعم الناس من خيراته في معظم الاحيان لكنه يجعل من بعضهم طعاما عندما يغضب ويزمجر ويرغد ويزبد… هكذا تبدو العلاقة ولا نظن أنها ستتغير… لكن الانسان اذا ألف البحر من الصعب جدا ان يفارقه او ان يهجره… حتى ان «ظلمه» البحر وصار يهدّد حياته…! على الساحل التونسي مجموعة من المناطق الخلابة التي يتمنى اي بشر ان يعيش فيها وتجد الاستحسان لدى كل سائح (محلّي أو أجنبي) يزورها… ومن هذه الرائعات منطقة «برج الراس» بمدينة المهدية… هي شبه جزيرة يحيط بها البحر من ثلاث جهات وبها مجموعة من الآثار التي تروي تفاصيل من الأزمنة الغابرة… أغلب جوانبها محمية من «ثورة البحر» الا جانبا واحدا ظل منذ مدة، رغم جماله ورونقه، مصدر قلق وخوف وأحلام مزعجة لسكان فاضت كأس الصبر عندهم فأرادوا التعبير عمّا يختلج في الصدور…
كانت المعلومة التي وصلتنا تقول إن البحر قد هاج يوم السبت قبل الماضي وان المطر قد نزل بغزارة فتواطأ مع البحر وداهما منازل بعض السكان فتهدّم جانب من الجرف وحصلت اضرار ببعض المنازل وعمّ الهلع والفزع الاهالي وحصلت بعض الاضرار والاغماءات… وكان لابدّ من زيارة الى موقع الحادثة للوقوف على حقيقة ما حدث فتحولت «حقائق» الى «برج الراس» وكان هذا التحقيق.
«زلزال» صباح السبت!
تجمعّ الاهالي حولنا… رجالا ونساء وأطفالا… كان الخوف لا يزال يسكن قلوبهم وهم يريدون ان يبلغوا أصواتهم الى السلط التي يعنيها أمرهم… تحدثوا عن كل شيء في لحظات واقترحوا بعض الحلول وابدوا بعض التحفظات… قال أحدهم بلهجة الواثق من نفسه ويدعى محمّد عرجون: «المشكل الذي نعيشه ليس وليد اليوم او البارحة بل عمره عامان… فمنذ عامين سقط مدرج بفعل هيجان البحر وتسرب الماد تحت اليابسة… كاتبنا آنذاك مصالح التجهيز والولاية والبلدية واحطنا الجميع علما باحتمال الخطر الذي قد يهدد منازلنا… وبالتالي أرواحنا لكن للأسف لم نتلق أيّ ردّ عمّا كتبنا… وها هو المحظور قد حصل فسقط جانب من الجرف وجزء من الطريق المعبد واحدثت بعض الشقوق امام منازلنا بما ينذر بالخطر الداهم…» وتقطع الحديث السيدة شاذلية عبد السلام فتقول: «على الساعة السابعة والنصف صباحا من يوم السبت 2 ديسمبر 2006 سمعنا دويا قويا واحسسنا برجّة ارضية قوية كأنها زلزال…
صحت وجريت وانا أقول «ووه راهي داري طاحت»… ومن شدة المفاجأة والخوف خرج زوجي من بيت الراحة يجري وهو لا يعرف ما حصل… خرجنا نستجلي الامر فاصابنا الذعر مما رأينا… لقد سقط الجرف الذي «يحمي» منازلنا من هيجان البحر ومعه سقط جزء من الطريق ولم تعد منازلنا في أمان من السقوط خاصة في الشتاء عندما يهيج البحر وترتفع امواجه… وبالمناسبة اريد ان ابدي ملاحظة تخص البلدية. فكميات التراب التي تردم بها الحفرة بين الحين والآخر ليست الحلّ لأن الماء سرعان ما يجرفها فيعود الوضع الى ما كان عليه…».
الحل كان ممكنا لو…
الشاب محمد عبد الهادي احتفظ بهدوئه وهو يتحدث الينا فقال: «كان بالامكان تفادي ما حصل قبل ان يحدث لو أن البلدية والمصالح المختصة سارعت منذ البداية الى معالجة المشكل بصفة جذرية. فقد علمنا ان مبلغا يناهز مليونا و400 ألف دينار خصّص لمعالجة الوضع واعتقد ان مبلغ 300 الف دينار على اقصى تقدير كان يكفي للقضاء على المشكل. والحل حسب رأيي وآراء الجميع، يمكن في ردم كل المساحة التي تقع امام منازلنا بواسطة صخور كبيرة الحجم يكون دورها منع تقدم الامواج وبالتالي الحدّ من خطر هيجان البحر وهذا الحل موجود في مناطق اخرى كان يهددها البحر وهو موجود ايضا في الجهات الاخرى من «برج الراس» فلماذا لا يكون في هذه النقطة بالذات؟! فما حصل كان نتيجة لتهاطل الامطار فقط لان البحر لم يهج بعد فماذا سيحدث لو هاج البحر خاصة في فصل الشتاء؟! أكيد ان الامور ستكون أسوأ بكثير. فقد تعودنا منذ مدة أن نحس بتحرك اسس المنازل كلما ضرب الموج بقوة (ونسمّي الظاهرة شلوقية) وليت البلدية حاولت ان تحل المشكل من اساسه عوض ان تغلق النهج او ان تضع كميات من التراب الابيض الذي سرعان ما يجرفه الماء».
مقهى الغار «فوق النار»!
على بعد بضعة امتار من منازل الذين تحدثوا معنا يوجد مقهى سياحي غاية في الجمال والروعة هو. مقهى سيدي سالم ويعرف باسم «مقهى الغار» نسبة الى وجود غار قديم كان يمر تحته مباشرة . المقهى مغلق منذ ان اغلقت البلدية الطريق المؤدية اليه (حسب ما افادنا به السكان رغم ان البعض قال ان المقهى مفتوح لكنه لا يعمل)… وهناك حوالي 24 عائلة يمثل المقهى مورد رزقها الوحيد. ولعل المؤسف حقا ان هذا المقهى مهدد اليوم بالسقوط نظرا الى أنه يقع فوق صخور معرضة لأمواج البحر العاتية على الدوام.. وقد ظهرت بوادر الخطر فعلا عندما تصدعت بعض الصخور و«استقال» بعضها من مهمة حمل المقهى على ظهره (أنظر الصورة رقم؟) ويقول بعض العاملين بالمقهى إن مصدر رزقهم، ورزق عائلاتهم، مهدد بالزوال والحال ان الحل سهل ولا يتطلب سوى العزيمة والاسراع بالتنفيذ.
ما دخل الاسكندرية في مشكلتنا؟!
عندما زرنا هذه العائلات وجدنا بعضهم يحمل مقالا صدر بصحيفة يومية ويبدو ان ذلك المقال قد اغضب السكان اذ قال احدهم نيابة عن الآخرين: «نحن الآن أمام خطر محدق يهددنا جميعا. وعوض البحث عن حل يزيل عنا الخوف والمعاناة فان احد المسؤولين البلديين بحث بيننا عمّن بنى طابقا دون رخصة وكأن ذلك الطابق (حي لو بني دون رخصة) كان سبب الكارثة التي حل جزء منها بنا وقد تحل بنا مصيبة أكبر…!! وعوض البحث عن الاسباب والبحث في السبل التي من شأنها ان تجنبنا الكارثة فقد سعى بعضهم الى الهروب من المسؤولية والقائها على «البحر والطبيعية من الاسكندرية الى مدن المغرب العربي»!!
رغم التحذيرات
أكد سكان المنازل المهددة انهم اعلموا المسؤولين بالخطر المنتظر على منازلهم وعلى حياتهم منذ عامين على الاقل. وأكدوا ايضا، وبالدليل الكاشف هذه المرة، أنه لا يمكن لأي مسؤول يعرف المكان ان يقول إنه لا يعلم. فقد اطلعونا على مقال صدر بصحيفة يومية في شهر ماي الماضي وهو ينبه المسؤولين الي ان الوضع سيء والى ان حياة الناس في خطر. وازاء هذا الصمت يتساءل السكان: «لماذا طال انتظارنا؟ وهل كتب علينا ان ننتظر حصول كارثة اكبر كي نرى تدخل المسؤولين؟!».
الآثار أغلى منّا؟؟
أحد المواطنين اثار نقطة على غاية من الاهمية اذ قال: «علمت بوسائلي الخاصة أن بعض الاطراف ترفض التدخل لحمايتنا من الخطر لسبب لا يبدو وجيها بالمرّة. صحيح أن بعض منازلنا تقع فوق بنايات اثرية (هذا ما يقال لنا ولسنا متأكدين منه) لكن هذا لا يعني ان تلك الآثار أغلى منا ومن حياتنا. وعلى هذا الاساس فاننا نطلب من السلط المسؤولة الاذن بالتدخل العاجل وتطبيق الحل الذي اقترحناه لان الآثار باقية والدراسات حولها ليست مرتبطة بأجل محدد.
في انتظار الحل النهائي
ذهبنا اذن وعاينّا وسجلنا الاحاديث واخذنا الصور التي قد يعبرّ بعضها أحسن من الف مقال. ونحن متأكدون من ان هؤلاء السكان يعيشون خوفا كبيرا وكابوسا مرعبا جثم على صدورهم… واكبر خوفهم اليوم ان يتجدد سيناريو السبت 2 ديسمبر… وأغلبهم يتساءل ماذا لو تزامن المطر الغزير مع اعصار قرب الديار؟ واليوم اذ ننقل لكم، بكل امانة، ما يعيشه هؤلاء المواطنون التونسيون فاننا نرغب فعلا في الاسراع بانقاذهم واعادة الطمأنينة الى قلوبهم لانهم يعشقون ارضهم وديارهم… وبحرهم…!
جمال المالكي
redaction@realites.com.tn
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























